إخوان الصفاء

427

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء

صحيح في صناعتهم ، منه يتفرّع علمهم ، وقياس مستو ، عليه يقاس ما يعملونه ، مثل صناعة العدد كما بيّنّا قبل ، فإنه لا يمكنه أن يتحرّز فيه من الخطأ ، ولا أن يتجنّب فيه من الباطل ، لأن الأصل إذا كان خطأ فالفروع عليه تدور . واعلم بأن من لا يحسّ بالتناقض في أقاويله ، فكيف يوثق به في آرائه واعتقاده ، وكيف يؤمن عليه أنه غير معتقد آراء متناقضة ، ويكون فيها مخالفا لنفسه ولا يدري ، وكيف يرجى منه الوفاق مع غيره وهو مخالف لنفسه ، ومناقض لاعتقاده ، وجاهل في معلوماته ؟ فصل في أن المنطق أداة الفيلسوف واعلم يا أخي بأن الحكماء المنطقيّين إنما وضعوا القياس المنطقي ، واستخرجوا البرهان الصحيح ، ليكون المتعاطي للمنطق يبتدئ أولا ، ويقيم البرهان من عند نفسه على اعتقاداته . فإذا صحّت في نفسه تلك رام أن يصححها عند غيره . وقبل كلّ شيء تحتاج يا أخي أن تعلم كيف تحفظ أقاويلك من التناقض ، فإنك إذا فعلت ذلك فقد أحكمت صناعة المنطق الفلسفي . واعلم بأن المنطق ميزان الفلسفة ، وقد قيل إنه أداة الفيلسوف ، وذلك أنه لما كانت الفلسفة أشرف الصنائع البشرية بعد النبوة ، صار من الواجب أن يكون ميزان الفلسفة أصحّ الموازين ، وأداة الفيلسوف أشرف الأدوات ، لأنه قيل في حدّ الفلسفة إنها التشبّه بالإله بحسب الطاقة الإنسانية . واعلم بأن معنى قولهم : طاقة الإنسان ، هو أن يجتهد الإنسان ويتحرّز من الكذب في كلامه وأقاويله ، ويتجنّب من الباطل في اعتقاده ، ومن الخطأ في معلوماته ، ومن الرداءة في أخلاقه ، ومن الشرّ في أفعاله ، ومن الزلل في أعماله ، ومن النقص في صناعته . هذا هو معنى قولهم : التشبّه بالإله بحسب طاقة الإنسان ، لأن اللّه ، عزّ وجلّ ، لا يقول إلّا الصدق ، ولا يفعل إلا